الصفحة الرئيسية
>
شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير
.الحديث السَّابِع بعد السِّتين: هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَذَلِك، وَهَذَا الحَدِيث لم يذكرهُ الرَّافِعِيّ، وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بعد ذَلِك بقوله: ثمَّ إِذا رموا جَمْرَة الْعقبَة نحرُوا إِن كَانَ مَعَهم هدي، فَذَلِك سُنّة. فَائِدَة: هَذَا الحالقُ هُوَ: معمر بن عبد الله بن نَافِع بن نَضْلَة الْعَدوي، كَذَا سَاقه الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه، وَأَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور، وَبِه جزم ابْنُ نقطة فِي تكملته. وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ: زَعَمُوا أَنه معمر بن عبد الله، وَقيل: اسْمه خرَاش بن أُميَّة بن ربيعَة الْكَلْبِيّ مَنْسُوب إِلَى كُلَيْب بن حبشية. .الحَدِيث الثَّامِن بعد السِّتين: هَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم من حَدِيث جابرٍ الطَّوِيل بِنَحْوِهِ، وَهَذَا لَفظه: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَتَى بطن محسر، فحرك قَلِيلا، ثمَّ سلك الطَّرِيق الْوُسْطَى الَّتِي تخرج عَلَى الْجَمْرَة الْكُبْرَى». وَقد سبق بِطُولِهِ، وَفِي السّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث سُفْيَان، عَن أبي الزبير، عَن جَابر أَيْضا. «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أوضع فِي وَادي محسر» زَاد بشر بن السّري أحد رُوَاته: «وأفاض من جَمْع وَعَلِيهِ السكينَة وَأمرهمْ بِالسَّكِينَةِ» وَزَاد فِيهِ أَبُو نعيم أحد رُوَاته: «وَأمرهمْ أَن يرموا بِمثل حَصى الْخذف، وَقَالَ: لعَلي لَا أَرَاكُم بعد عَامي هَذَا». .الحديث التَّاسِع بعد السِّتين: هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد صحَّ ذَلِك من طرق: أَحدهَا: عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «رَأَيْت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَرْمِي عَلَى رَاحِلَته يَوْم النَّحْر، وَهُوَ يَقُول: خُذُوا عني مَنَاسِككُم، لَا أَدْرِي لعَلي لَا أحج بعد حجتي هَذِه». أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَقَالَ: «إِنِّي لَا أَدْرِي لعَلي لَا أعيش بعد عَامي هَذَا». وَقد سلف حَدِيث جَابر الطَّوِيل، وَظَاهر سِيَاقه أَنه رَمَاهَا رَاكِبًا. ثَانِيهَا: من حَدِيث أم الْحصين قَالَت: «حجَجنَا مَعَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حجَّة الْوَدَاع، فَرَأَيْت أُسَامَة وبلالاً، أَحدهمَا آخذ بِخِطَام نَاقَة رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْآخر رَافع ثَوْبه يستره من الحرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَة الْعقبَة». أخرجه مُسلم مُنْفَردا بِهِ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وَسَيَأْتِي أول مُحرمَات الْإِحْرَام. ثَالِثهَا: من حَدِيث قدامَة بن عبد الله بن عمار الْكلابِي قَالَ: «رَأَيْت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَرْمِي الْجَمْرَة يَوْم النَّحْر عَلَى نَاقَة صهباء، لَا ضرب وَلَا طرد وَلَا إِلَيْك إِلَيْك». أخرجه الشَّافِعِي وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا، لَكِن لَفظه: «يَرْمِي الْجمار» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَعَزاهُ عبد الْحق إِلَى أبي دَاوُد، وَهُوَ غلط، فَلَيْسَ هُوَ فِيهِ، وَقد تعقبه ابْن الْقطَّان. وَورد أَيْضا من طَرِيقين آخَرين أَحدهمَا: من طَرِيق ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم رَمَى الْجَمْرَة يَوْم النَّحْر رَاكِبًا» رَوَاهُ أَحْمد، وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَإِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ؛ لِأَن فِي إِسْنَاده الْحجَّاج بن أَرْطَاة؛ وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ، وَهُوَ مُدَلّس وَلم يذكر سَمَاعا. ثَانِيهمَا: من طَرِيق سُلَيْمَان بن عَمْرو بن الْأَحْوَص عَن أمه أم جُنْدُب، وَقد ذكره صَاحب المهذَّب، وأوضحته فِي تخريجي لأحاديثه؛ فَليُرَاجع مِنْهُ. .الحديث السبْعون: هَذَا الحَدِيث متَّفق عَلَى صِحَّته، من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «أَن أُسَامَة بن زيد كَانَ ردف النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَة إِلَى الْمزْدَلِفَة، ثمَّ أرْدف الْفضل من الْمزْدَلِفَة إِلَى مِنًى وَكِلَاهُمَا قَالَ: وَلم يَزَلِ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يُلبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَة الْعقبَة». وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أرْدف الْفضل، فَأخْبر الْفضل أَنه لم يزل يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَة الْعقبَة». وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْفضل: «فَلم يزل يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَة الْعقبَة، وَكبر مَعَ كل حَصَاة، ثمَّ قطع التَّلْبِيَة مَعَ آخر حَصَاة». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وتكبيره مَعَ كل حَصَاة كالدلالة عَلَى قطعه بِأول حَصَاة، وَأما مَا فِي رِوَايَة الْفضل من الزِّيَادَة فَإِنَّهَا غَرِيبَة، أوردهَا ابْن خُزَيْمَة، واختارها وَلَيْسَت فِي الرِّوَايَات الْمَشْهُورَة عَن ابْن عَبَّاس عَن الْفضل بن الْعَبَّاس. تَنْبِيه: قَالَ ابْن المُغلِّس الظَّاهِرِيّ: يقطع الْمُعْتَمِر التَّلْبِيَة إِذا اسْتَلم الْحجر، قَالَ: وبذلك ثَبت الْخَبَر، عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ أسْند حَدِيثا عَن ابْن عَبَّاس فِيهِ ابْن أبي لَيْلَى، وَهُوَ مَشْهُور الْحَال. .الحديث الحَادِي بعد السّبْعين: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث حجاج عَن أبي بكر بن مُحَمَّد، عَن عمْرَة، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا: «إِذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطّيب وَالثيَاب وكل شَيْء إِلَّا النِّسَاء». وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه فَقَالَ: ثَنَا مُسَدّد، نَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، نَا الْحجَّاج، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن، عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «إِذا رَمَى أحدكُم جَمْرَة الْعقبَة فقد حل لَهُ كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء». وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة، عَن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، عَن عمْرَة، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا: «إِذا رَمَى وحلق وَذبح فقد حل لَهُ كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء» وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة، عَن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم، عَن عمْرَة، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا: «إِذا رميتم وحلقتم وذبحتم فقد حل لكم كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء» وَعَن الْحجَّاج، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مثله. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة، عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، عَن عمْرَة، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا: «إِذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطّيب وَالثيَاب وكل شَيْء إِلَّا النِّسَاء» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن أبي بكر- يَعْنِي: ابْن حزم- عَن يزِيد بن هَارُون؛ وَزَاد فِيهِ: «وذبحتم فقد حل لكم كل شَيْء الطّيب وَالثيَاب إِلَّا النِّسَاء». هَذِه أَلْفَاظ رِوَايَة هَذَا الحَدِيث، ومدارها عَلَى الْحجَّاج، وَهُوَ ابْن أَرْطَاة كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي الدَّارَقُطْنِيّ والْبَيْهَقِيّ كَمَا مَرَّ، وَهُوَ مِمَّن اخْتلف فِيهِ، ثمَّ فِيهِ عِلّة أُخْرَى وهِيَ الِانْقِطَاع؛ فَإِن الْحجَّاج لم يَرَ الزُّهْرِيّ وَلَا سمع مِنْهُ كَمَا نَص عَلَيْهِ غير وَاحِد من الْحفاظ، وَقد ضعف أَبُو دَاوُد فِي سنَنه هَذَا الحَدِيث من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ؛ فَقَالَ: هَذَا حَدِيث ضَعِيف، وَالْحجاج لم يَرَ الزُّهْرِيّ وَلم يسمع مِنْهُ. وَقَالَ المنذريُّ فِي مُخْتَصر السّنَن: ذكر عباد بن الْعَوام وَيَحْيَى بن معِين وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة الرازيان أَن الْحجَّاج لم يسمع من الزُّهْرِيّ شَيْئا، وَذكر عَن الْحجَّاج نَفسه أَنه لم يسمع مِنْهُ شَيْئا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه: هَذَا الحَدِيث من تخليطات الْحجَّاج بن أَرْطَاة. قَالَ: وَإِنَّمَا الحَدِيث عَن عمْرَة، عَن عَائِشَة، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَمَا رَوَاهُ سَائِر النَّاس عَن عَائِشَة، ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ عَن الضَّحَّاك، عَن أبي الرِّجَال، عَن أمه، عَن عَائِشَة قَالَت: «طيبت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لحرمه حِين أحرم، ولحله قبل أَن يفِيض بأطيب مَا وجدت». رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه، وَأم أبي الرِّجَال هِيَ عمْرَة قَالَ- أَعنِي: الْبَيْهَقِيّ-: وَقد رويتُ تِلْكَ اللَّفْظَة فِي حَدِيث أُمِّ سَلمَة مَعَ حكم آخر، لَا أعلم أحدا من الْفُقَهَاء قَالَ بذلك. ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى أُمِّ سَلمَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت: «كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي يَدُور فِيهَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مسَاء لَيْلَة النَّحْر، فَكَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدِي؛ فَدخل عليَّ وهبُ بن زَمعَة وَرجل من آل أبي أُميَّة متقمصين، فَقَالَ لَهما رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أفضتما؟ قَالَا: لَا. قَالَ: فانزعا قميصكما. فنزعاهما، قَالَ وهب: ولِمَ يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: هَذَا يَوْم أرخص لكم فِيهِ إِذا رميتم الْجَمْرَة، ونحرتم هَديا إِن كَانَ لكم فقد حللتم من كل شيءٍ حُرِمْتُم مِنْهُ إِلَّا النِّسَاء حَتَّى تطوفوا بِالْبَيْتِ، فَإِذا أمسيتم وَلم تفيضوا صرتم حرما كَمَا كُنْتُم أوَّل مرةٍ، حَتَّى تفيضوا بِالْبَيْتِ». وَفِي رِوَايَة لَهُ: «إِن هَذَا يَوْم رخَّص لكم إِذا رميتم الْجَمْرَة أَن تَحِلُّوا من كل مَا حرمتم مِنْهُ إِلَّا النِّسَاء، فَإِذا أمسيتم قبل أَن تطوفوا بِهَذَا الْبَيْت صرتم حُرُمًا كهيئتكم قبل أَن ترموا الْجَمْرَة حَتَّى تطوفوا». وَهَذَا الحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ثمَّ الحاكمُ فِي مُسْتَدْركه فِي كتاب الْحَج بِاللَّفْظِ الأول، وَفِي إِسْنَاده ابْن إِسْحَاق، ولَكِن صرَّح بِالتَّحْدِيثِ فَقَالَ: «ثَنَا أَبُو عُبَيْدَة بن عبد الله بن زَمعَة». وَفِي صَحِيح الْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ عَن عبد الله بن الزبير أَنه قَالَ: «مِنْ سُنَّة الْحَج أَن يُصَلِّي الإِمَام الظهرَ والعصرَ، والمغربَ والعشاءَ الآخرةَ، والصبحَ بمنى، ثمَّ يَغْدُو إِلَى عَرَفَة فيقيل حَيْثُ قضي لَهُ، حَتَّى إِذا زَالَت الشَّمْس خطب الناسَ، ثمَّ صلَّى الظّهْر وَالْعصر جَمِيعًا، ثمَّ وقف بِعَرَفَات حَتَّى تغيب الشَّمْس، ثمَّ يفِيض فيصلِّي بِالْمُزْدَلِفَةِ أَو حَيْثُ قَضَى الله، ثمَّ يقف بِجمع حَتَّى أَسْفر دفع قبل طُلُوع الشَّمْس، فَإِذا رَمَى الْجَمْرَة الْكُبْرَى حلَّ لَهُ كلُّ شَيْء حرم عَلَيْهِ إِلَّا النِّسَاء وَالطّيب، حَتَّى يزور الْبَيْت». وَفِي مُسْند أَحْمد وسنَن النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «إِذا رميتم الْجَمْرَة فقد حلّ لكم كلُّ شيءٍ إِلَّا النِّسَاء، فَقَالَ لَهُ رجل: يَا ابْن عَبَّاس، وَالطّيب؟ فَقَالَ: أما أَنا فقد رأيتُ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يضمح رَأسه بالطيب، فَلَا أَدْرِي أطيب ذَلِك أم لَا». إِسْنَاده حسن كَمَا قَالَه الْمُنْذِرِيّ وَغَيره، إِلَّا أَن يَحْيَى بْنَ معِين وَغَيره قَالُوا: يُقَال: إِن الْحسن العرني لم يسمع من ابْن عَبَّاس نعم فِي مُسْند أَحْمد عَنهُ قَالَ: ذُكِرَ عِنْد ابْن عَبَّاس: «يقطع الصلاةَ المرأةُ والكلبُ والحمارُ؟ قَالَ: بئس مَا عدلتم بامرأةٍ مسلمة كَلْبا وَحِمَارًا...» وذكر الحَدِيث بِطُولِهِ، وَظَاهر هَذَا سَمَاعه مِنْهُ. ثمَّ اعْلَم بعد ذَلِك كُله أَن الرافعيَّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَن الْحلق نسك، قَالَ: فعلق الْحل بِالْحلقِ كَمَا علقه بِالرَّمْي. وَقد علمتَ ضعف الحَدِيث، فَإِن فِي بعض الرِّوَايَات علقه بِالذبْحِ، وَلَا قَائِل بِأَن التَّحَلُّل يقف عَلَيْهِ، وَلَو اسْتدلَّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الآتى الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ من طَرِيق عبد الله بن عَمرو: «أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: حلقتُ قبل أَن أرمي؟ فَقَالَ: ارْمِ وَلَا حرج». وَجه الدّلَالَة مِنْهُ أَنه لَو لم يكن نُسكًا لما جَازَ تَقْدِيمه عَلَى الرَّمْي، وَفِي صَحِيح أبي حَاتِم بن حبَان فِي حَدِيث طَوِيل: «أَن للحالق بِكُل شَعْرَة سَقَطت من رَأسه نورا يَوْم الْقِيَامَة» وَوَقع لِابْنِ الرّفْعَة فِي هَذَا الحَدِيث شَيْء غَرِيب، فَإِنَّهُ لما ذكر قولَ صَاحب التَّنْبِيه: فَإِن قُلْنَا إِن الْحلق نسك، حصل لَهُ التَّحَلُّل الأول بِاثْنَيْنِ من ثَلَاثَة وَهِي: الرَّمْي وَالْحلق وَالطّواف. ثمَّ اسْتدلَّ بِلَفْظ أبي دَاوُد السالف، ثمَّ قَالَ: وَفِي كتب الْفُقَهَاء: «إِذا رميتم وحلقتم...» الحَدِيث، وَهُوَ غَرِيب؛ فَإِنَّهُ عزاهُ إِلَى كتب الْفُقَهَاء، ونفيه عَن كتب الحَدِيث هُوَ مَا أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده وغيرُه كَمَا عَرفته، فتنبَّهْ لذَلِك؛ فَإِنَّهُ من الْغَرِيب. .الحديث الثَّانِي بعد السّبْعين: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن الْحسن الْعَتكِي، نَا مُحَمَّد بن بكر، نَا ابْن جريج قَالَ: بَلغنِي عَن صَفِيَّة بنت شيبَة قَالَت: أَخْبَرتنِي أم عُثْمَان: أَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاء حلق، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاء التَّقْصِير». قَالَ أَبُو دَاوُد: ونَا رجل ثِقَة يكنى: أَبَا يَعْقُوب، نَا هِشَام بن يُوسُف، عَن ابْن جريج، عَن عبد الحميد بن جُبَير بن شيبَة، عَن صَفِيَّة بنت شيبَة قَالَت: أَخْبَرتنِي أم عُثْمَان بنت أبي سُفْيَان أَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مثله. سكت أَبُو دَاوُد عَلَيْهِ وَلم يُضعفهُ، فَهُوَ حُجَّة عَلَى قَاعِدَته، وَتَبعهُ عَلَى سُكُوته عَلَيْهِ عبدُ الْحق فِي أَحْكَامه، وصرَّح النوويُّ فِي شرح المهذَّب بحُسْن إِسْنَاده، وَتعقب ابْنُ الْقطَّان عبد الْحق فَقَالَ: سكت عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِك تَصْحِيحا لَهُ مِنْهُ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف مُنْقَطع، أما ضَعْفُه فإنَّ أُمَّ عُثْمَان بنت أبي سُفْيَان لَا يعرف لَهَا حَال- قلت: لَا يُحْتاج إِلَى معرفَة حَالهَا، فَإِنَّهَا صحابية، وَهِي أم بني شيبَة الأكابر- وَأما انْقِطَاعه فبيِّن، أما طَرِيق أبي دَاوُد الأول فموضعه قَول ابْن جريج: بَلغنِي عَن صَفِيَّة، وَأما الثَّانِي: فموضعه قَول أبي دَاوُد: نَا رجل ثِقَة يكنى أَبَا يَعْقُوب فَإنَّا لَا نَعْرِف الَّذِي حدَّث بِهِ حَتَّى يوضع فِيهِ النّظر، فَهُوَ بِمَثَابَة من لم يذكر، فَإِن فسَّر مُفَسّر بِأَنَّهُ أَبُو يَعْقُوب إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن أبي إِسْرَائِيل؛ فَإِنَّهُ يَرْوي هَذَا الحَدِيث عَن هِشَام بن يُوسُف، لم يقنع مِنْهُ بذلك، وَهُوَ أَيْضا رجل قد عُلم لَهُ رَأْي فَاسد يتجرح بِهِ تَركه النَّاس من أَجله، وَهُوَ الْوَقْف فِي أَن الْقُرْآن مَخْلُوق، وَإِن كَانَ لَا يُؤْتَى من جِهَة الصدْق، ومن طَرِيقه ذكر الدَّارَقُطْنِيّ هَذَا الحَدِيث عَن الْبَغَوِيّ عَنهُ. قلت: وَتَابعه إِبْرَاهِيم بن مُوسَى، عَن هِشَام وَسَعِيد القداح، عَن ابْن جريج، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله: سألتُ أبي عَن حديثٍ رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن مُوسَى، عَن هِشَام بن يُوسُف، عَن ابْن جريج، عَن عبد الحميد، عَن صَفِيَّة، عَن أم عُثْمَان، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا، وَرَوَاهُ سعيد القداح عَن ابْن جريج عَن صَفِيَّة بِهِ. وَلم يذكر عبد الحميد فَقَالَ: هِشَام بن يُوسُف ثِقَة متقن. قلت: وَتَابعه يَعْقُوب بن عَطاء، عَن صَفِيَّة، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي بكر بن عَيَّاش عَن يَعْقُوب بن عَطاء، عَن صَفِيَّة بنت شيبَة، عَن أم عُثْمَان، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِهِ، وَيَعْقُوب هَذَا ضَعَّفه أَحْمد، وَيَحْيَى وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان. .الحديث الثَّالِث بعد السّبْعين: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم عَنهُ: «أَنه حج مَعَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَام سَاق الْهَدْي مَعَه، وَقد أهلوا بِالْحَجِّ مُفردا، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: حلوا من إحرامكم، وطوفوا بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة، وَأقِيمُوا حَلَالا» الحَدِيث. وَرَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا بِلَفْظ: «أحلُّوا من إحرامكم بِطواف الْبَيْت وَبَين الصَّفَا والمروة، وقصِّرُوا، ثمَّ أقِيمُوا حَلَالا» الحَدِيث. .الحديث الرَّابِع بعد السّبْعين: هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور. قَالَ البُخَارِيّ: وَقَالَ اللَّيْث عَن نَافِع: «رحم الله المحلقين. مرّة أَو مرَّتَيْنِ» وَقَالَ: حَدثنِي عبيد الله عَن نَافِع قَالَ فِي الرَّابِعَة: «والمقصرين». وَأَخْرَجَاهُ من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة بِمثلِهِ، وَأخرجه مُسلم من رِوَايَة أم الْحصين، وَأخرجه أَحْمد من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَقد ذكرتُها فِي تخريجي لأحاديث الْوَسِيط مَعَ ذكر سَبَب الحَدِيث، فَليُرَاجع مِنْهُ. .الحديث الخَامِس بعد السّبْعين: هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد أخرجه مُسلم كَذَلِك من حَدِيث جَابر الطَّوِيل كَمَا سلف إِلَّا الْحلق، فَإِنَّهُ ثَابت من حَدِيث أنس كَمَا أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيثه كَمَا سلف أَيْضا، وَأما حَدِيث عَائِشَة وَابْن عَبَّاس: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أخَّر طَوَافه يَوْم النَّحْر إِلَى اللَّيْل» فمخالف لهَذَا، وَقد سلف، وَهُوَ مؤوَّل كَمَا أوضحته فِي تخريجي لأحاديث المهذَّب. .الحديث السَّادِس بعد السّبْعين: هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ من هَذَا الْوَجْه من طرق، وَأَخْرَجَا نَحوه من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما. .الحديث السَّابِع بعد السّبْعين: هَذَا الحَدِيث صَحِيح، كَمَا سبق فِي الْبَاب وَهُوَ الحَدِيث الْخَامِس بعد السِّتين. .الحديث الثَّامِن بعد السّبْعين: هَذَا الحَدِيث تقدم قَرِيبا وَاضحا. .الحديث التَّاسِع بعد السّبْعين: هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَقد سلف فِي بَاب سنَن الْإِحْرَام، وَاضحا. .الحديث الثَّمَانُونَ: هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي بَاب الْمَوَاقِيت، وَأَنه مَوْقُوف. .الحديث الحَادِي بعد الثَّمَانِينَ: هُوَ كَمَا ذكر، أما مبيته بمنى فَصَحِيح مَشْهُور، وبَيَّنَه حديثُ عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت: «أَفَاضَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم من آخر يَوْمه يَوْم النَّحْر حِين صلَّى الظهرَ، ثمَّ رَجَعَ إِلَى منى فَمَكثَ بهَا ليَالِي أَيَّام التَّشْرِيق، يَرْمِي الجمرَةَ إِذا زَالَت الشَّمْس...» الحَدِيث. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَححهُ ابْنُ حبَان، وَالْحَاكِم وَقَالَ: عَلَى شَرط مُسلم. وَأما قَوْله: «خُذُوا عنِّي مناسكَكم» فقد سلف فِي أَوَائِل الْبَاب. .الحديث الثَّانِي بعد الثَّمَانِينَ: هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ من هَذَا الْوَجْه كَذَلِك. وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: «رخَّص النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم...» كَذَا قَالَ من غير زِيَادَة. .الحديث الثَّالِث بعد الثَّمَانِينَ: هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الأئمةُ: مَالك فِي الْمُوَطَّأ وأحمدُ فِي الْمسند وأصحابُ السّنَن الْأَرْبَعَة وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه والحاكمُ فِي مُسْتَدْركه. رَوَاهُ مَالك عَن عبد الله بن أبي بكر، عَن أَبِيه، عَن أبي البدَّاح عَاصِم بن عدي، عَن أَبِيه. كَذَا فِي رِوَايَة يَحْيَى بن يَحْيَى، كَمَا قَالَ أَحْمد بن خَالِد قَالَ: وَيَحْيَى وَحده من بَين أَصْحَاب مَالك قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث عَن مَالك بِإِسْنَادِهِ أَن أَبَا البدَّاح عَاصِم بن عدي فَجعل أَبَا البدَّاح كنية عَاصِم بن عدي، وجَعَل الحَدِيث لَهُ. قَالَ ابْن عبد الْبر: والْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ لعاصم بن عدي، هُوَ الصاحب، وَأَبُو البدَّاح ابْنُه يرويهِ عَنهُ، وَهُوَ الصَّحِيح فِيهِ: عَن أبي البدَّاح بن عَاصِم بن عدي عَن أَبِيه. قيل: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وهب وابْنُ الْقَاسِم، قَالَ أَبُو عمر: لم نجد عِنْد شُيُوخنَا فِي كتب يَحْيَى إلاَّ عَن أبي البداح بن عَاصِم بن عدي، كَمَا رَوَاهُ جماعةُ الروَاة عَن مَالك، وَهُوَ الصَّحِيح فِي إِسْنَاد هَذَا الْبَاب كَمَا قَالَ أَحْمد- يَعْنِي: ابْن خَالِد- فَإِن كَانَ يَحْيَى رَوَاهُ كَمَا قَالَ أَحْمد فَهُوَ غلط من يَحْيَى، وَالله أعلم، أَو من غَيره، وَلم يَخْتَلِفُوا فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث عَن مَالك إِلَّا مَا ذكر أَحْمد عَن يَحْيَى. وَرَوَاهُ أَحْمد عَن عبد الرَّحْمَن، عَن مَالك، كَمَا فِي رِوَايَة يَحْيَى بن يَحْيَى. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمرو بن حزم، عَن أَبِيه، عَن أبي البدَّاح بن عدي، عَن أَبِيه، ثمَّ قَالَ: رَوَاهُ مَالك بن أنس، عَن عبد الله بن أبي بكر، عَن أَبِيه، عَن أبي البداح بن عَاصِم بن عدي، عَن أَبِيه. قَالَ: وَرِوَايَة مَالك أصح. قَالَ: وَهُوَ حَدِيث حسن صَحِيح. قلت: وَمَعْنى قَوْله: رِوَايَة مَالك أصح: أَن سُفْيَان اختُلف عَلَيْهِ فَرُبمَا قيل: عَن أبي البداح بن عدي، بِدُونِ ذكر أَبِيه، نبَّه عَلَيْهِ صاحبُ الإِمام، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث مَالك، وَفِيه: عَن أبي البداح بن عَاصِم عَن أَبِيه، وَمن حَدِيث أبي البداح بن عدي، عَن أَبِيه، وَرَوَاهُ النسائيّ من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي البداح بن عدي عَن أَبِيه، ومن حَدِيث أبي البداح بن عَاصِم، عَن أَبِيه. وَرَوَاهُ ابْن حبَان كَمَا رَوَاهُ مَالك أوَّلاً، وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث أبي البداح بن عدي عَن أَبِيه، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. قَالَ: وَأَبُو البداح هُوَ ابْن عَاصِم بن عدي، وَهُوَ مَشْهُور فِي التَّابِعين، وَعَاصِم بن عدي مَشْهُور فِي الصَّحَابَة، وَهُوَ صَاحب اللِّعَان، فَمن قَالَ: عَن أبي البداح بن عدي فَإِنَّهُ نسبه إِلَى جدِّه. قَالَ: وبصحة مَا ذكرتُه حَدثنِي أَبُو عَلّي الْحسن بن عَلّي بن دَاوُد. ثمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ إِلَى مَالك عَن عبد الله بن أَبَى بكر بن مُحَمَّد بن عَمرو بن حزم، عَن أَبِيه أَن ابْن عَاصِم بن عدي أخبرهُ، عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم... فَذكره. هَذَا مَا ذكره الْحَاكِم فِي كتاب الْحَج، وَذكره فِي كتاب المناقب فِي تَرْجَمَة عَاصِم بن عدي، فَقَالَ: ولعاصمٍ حَدِيث مَشْهُور. فَذكره بِإِسْنَاد مَالك الْمَذْكُور، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، جوَّده مَالك بن أنس، وزلق فِيهِ غيرُه. ثمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ فِي حَدِيث أبي البداح بن عَاصِم بن عدي: يرويهِ مَالك، عَن عبد الله بن أبي بكر، عَن أَبِيه، عَن أبي البداح بن عَاصِم بن عدي، عَن أَبِيه مَرْفُوعا. قَالَ: وَحدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مُحَمَّد بن أبي بكر، عَن أَبِيه، عَن أبي البداح بن عَاصِم، عَن أَبِيه مَرْفُوعا. قَالَ يَحْيَى: وَهَذَا خطأ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ مَالك. قَالَ يَحْيَى: وَكَانَ سُفْيَان إِذا حدّثنا بِهَذَا الحَدِيث قَالَ: ذهب عني فِي هَذَا الحَدِيث شَيْء. قلت: هَذَا مَا يتَعَلَّق بِإِسْنَادِهِ، وَأما أَلْفَاظه، فَلفظ مَالك: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أرخص لرعاء الْإِبِل فِي البيتوتة عَن منى، يرْمونَ يَوْم النَّحْر، ثمَّ يرْمونَ الْغَد ومِنْ بعد الْغَد ليومين، ثمَّ يرْمونَ يَوْم النَّفْرِ». هَذَا مَا رأيتُه من طَرِيق يَحْيَى بن يَحْيَى. وَذكر أَبُو عُمر: أَن الْقطَّان لم يقل فِي حَدِيثه هَذَا عَن مَالك: «ثمَّ يرْمونَ يَوْم النَّفْر»، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ. قَالَ صَاحب الإِمام: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى الْقطَّان «رخَّص للرعَاء فِي البيتوتة» وَلم يقل: عَن منى، وَفِي رِوَايَة: «يرْمونَ يَوْم النَّحْر واليومين اللَّذَيْن بعده». قَالَ مَالك بعد سِيَاقه مَا نقلتُه لَك من رِوَايَته: نرَى- واللَّهُ أعلم- فِي تَفْسِير ذَلِك: أَنهم يرْمونَ يَوْم النَّحْر، فَإِذا مَضَى الْيَوْم الَّذِي يَلِي يَوْم النَّحْر رموا من الْغَد، وَذَلِكَ يَوْم النَّفر الأوَّل، ويرمون لليوم الَّذِي مَضَى، ثمَّ يرْمونَ ليومهم ذَلِك؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضي أحد شَيْئا حَتَّى يجب عَلَيْهِ، فَإِذا وَجب عَلَيْهِ وَمَضَى كَانَ القضاءُ بعد ذَلِك، فَإِن بدا لَهُم فِي النَّفر فقد فرغوا، وَإِن أقامُوا إِلَى الْغَد رَمَوا مَعَ النَّاس يَوْم النَّفر الآخر، ونفروا. وَلَفظ أَحْمد كَرِواية مَالك الأولَى، إِلَّا أَنه قَالَ: «يرْمونَ الْغَد أَو من بعد الْغَد ليومين». وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: «أرخِص لرعاء الْإِبِل فِي البيتوتة عَن منى، يرْمونَ يَوْم النَّحْر ثمَّ يجمعُونَ رمْيَ يَوْمَيْنِ بعد يَوْم النَّحْر، فيرمونه فِي أَحدهمَا». قَالَ: قَالَ مَالك: ظننا أَنه قَالَ فِي الأول مِنْهُمَا: «ثمَّ يرْمونَ يَوْم النَّفْر»، وَفِي أُخْرَى لَهُ وَلأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام رخَّص للرعاء أَن يرموا يَوْمًا ويَدَعُوا يَوْمًا». وَفِي رِوَايَة للنسائي: «أَنه رخَّص للرعاء فِي البيتوتة، يرْمونَ يَوْم النَّحْر واليومين اللَّذين بعده، يجمعونه فِي أَحدهمَا». وَلَفظ ابْن مَاجَه فِي الأولَى: «رخص للرعاء أَن يرموا يَوْمًا ويَدَعُوا يَوْمًا». وَفِي الثَّانِيَة: «رخص لرعاء الْإِبِل فِي البيتوتة أَن يرموا يَوْم النَّحْر، ثمَّ يجمعوا رمي يَوْمَيْنِ بعد النَّحْر فيرمونه فِي أَحدهمَا». قَالَ مَالك: ظننتُ أَنه قَالَ فِي الأوَّل مِنْهُمَا: «ثمَّ يرْمونَ يَوْم النَّفر». وَلَفظ ابْن حبَان وَالْحَاكِم كَلَفْظِ أبي دَاوُد، وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم كَلَفْظِ مَالك، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «رخص لَهُم أَن يرموها لَيْلًا». فَائِدَة: البَدَّاح: بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، ثمَّ دَال مُهْملَة مُشَدّدَة، ثمَّ ألِف، ثمَّ حاء مُهْملَة، وَأَبُو البداح هَذَا مَشْهُور فِي التَّابِعين، ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته، قَالَ: وَيُقَال: إِن لَهُ صُحْبَة. قَالَ: وَفِي الْقلب مِنْهُ شَيْء لِكَثْرَة الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده. وَقَالَ الصريفيني: الْأَصَح أَن لَهُ صُحْبَة. وَكَذَا صَححهُ ابْن عبد الْبر فِي كتاب الِاسْتِيعَاب وَفِي كتاب أبي مُوسَى: أَنه زوج جُمَيْل بنت يسَار أُخْت معقل الَّتِي عضلها، ووالده: عَاصِم بن عدي صَحَابِيّ مَشْهُور بَدْرِي أُحُدِي سيد بني العجلان. فَائِدَة أُخْرَى: رِعاء الْإِبِل: بِكَسْر الرَّاء وبالمد، جمع رَاع، كصاحب وصِحَاب. .الحديث الرَّابِع بعد الثَّمَانِينَ: هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه كَذَلِك من حَدِيث أبي الزبير عَنهُ، وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِسَمَاع أبي الزبير مِنْهُ، وَقد ثَبت سَمَاعه مِنْهُ فِي رِوَايَة أبي ذرّ الهرويِّ، فَذكره عَن أبي الزبير قَالَ: سَمِعت جَابر بن عبد الله يَقُول: «رَأَيْت النبى رَمَى جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر ضُحًى، وَأما بَعْدُ فَإِذا زالتِ الشمسُ». وَقد أخرجه ابنُ حزم فِي كِتَابه حجَّة الْوَدَاع من طَرِيق مُسلم، وَلم يتعقبه، وَلَعَلَّ سَببه مَا ذَكرْنَاهُ من التَّصْرِيح بِسَمَاع أبي الزبير من جَابر عَلَى طَرِيقَته، وَذكره البخاريُّ فِي صَحِيحه تَعْلِيقا بِصِيغَة جَزْمٍ فَقَالَ: وَقَالَ جَابر: «رَمَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم النَّحْر ضُحًى، وَرَمَى بعد ذَلِك بعد الزَّوَال». وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث ابْن جريج عَن عَطاء قَالَ: لَا أرمي حَتَّى تزِيغ الشَّمْس؛ إِن جَابر بن عبد الله قَالَ: «كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَرْمِي يَوْم النَّحْر قبل الزَّوَال، فَأَما بعد ذَلِك فَعِنْدَ الزَّوَال». ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَلم يخرجَاهُ.
|